السرخسي
24
شرح السير الكبير
فما يكون فرضا عينا فهو أقوى ، فلهذا استثنى الفرائض من جملة ما فضل رسول الله عليه السلام الجهاد عليه . قال : فقام رجل فقال : يا رسول الله ! أرأيت من قتل في سبيل الله هل ذاك مكفر عنه خطاياه ؟ قال : فسكت ساعة حتى ظننا أنه قد أوحي إليه ، ثم قال : نعم . إذا قتل محتسبا صابرا مقبلا غير مدبر ، إلا الدين فإنه مأخوذ به ، كما زعم جبريل عليه السلام . فيه بيان علو درجة الشهداء والشهادة حيث جعل الله [ الشهادة ] سببا لتمحيص الخطايا . وقد جاء في الحديث عن النبي عليه السلام أنه قال : " من استشهد في سبيل الله فأول قطرة تقطر من دمه تغفر له جميع ذنوبه ، وبالقطرة الثانية يكسى حلة الكرامة ، وبالقطرة الثالثة يزوج الحور العين " . وهو معنى الحديث المعروف : " السيف محاء للذنوب إلا الدين " . ومن علو حال الشهداء ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : " إن الله جعل أرواح من استشهد في إخوانكم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، ثم تأوى إلى قناديل معلقة في ظل العرش . فلما أصابوا طيب مأكلهم ومشربهم قالوا : ( 19 آ ) ليت إخواننا يعلمون ما نحن فيه فيجدون في الجهاد . فيقول ( 1 ) الله تعالى : إني مبلغهم عنكم . وهو تأويل قوله تعالى ( 2 ) { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } ( 3 ) . ثم هذه الدرجة للشهيد إذا كان راغبا فيها ، وذلك بأن ( 4 ) يكون محتسبا صابرا مقبلا .
--> ( 1 ) ه ، ط " فقال " . ( 2 ) ط ، ه " وفى ذلك نزل قوله تعالى " . ( 3 ) سورة آل عمران ، 3 ، الآية 169 . ( 4 ) ط ، ه " بأن يكونوا محتسبين صابرين مقبلين " .